ابن قيم الجوزية

292

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

العبد . وهذا حقيقة المحبة الخالصة ، وفيها يكون الاتحاد الصحيح ، وهو الاتحاد في المراد ، لا في المريد ، ولا في الإرادة . فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلت فيه أقدام السالكين ، وضلت فيه أفهام الواجدين . وفي هذا المقام حقيقة يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ، ومحبة وتعظيما ، وخوفا ورجاء وتوكلا ، ويبقى من لم يزل . وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد حقيقة ، ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب ، وغاية التعظيم . وفي هذا المقام : يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها ، بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحب وروحه ، الذي قد ملأت المحبة قلبه . بحيث لم يبق فيه جزء فارغ منها ، إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب ، وأجله وأحقه بالحب . وهذا الفناء أوجبه الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ، ومحو ما سوى مراد المحبوب من القلب ، بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله . واللّه المستعان . وأما قوله : « والاشتغال به قربا » أي يشغله قرب الحق عن كل ما سواه ، وهذا حقيقة القرب . ألا ترى أن القريب من السلطان جدا ، المقبل عليه ، المكلم له : لا يشتغل بشيء سواه البتة ؟ فعلى قدر القرب من اللّه يكون اشتغال العبد به . واللّه أعلم . ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » « منزلة الفرار » : قال اللّه تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذّاريات : 50 ] وحقيقة الفرار : الهرب من شيء إلى شيء . وهو نوعان : فرار السعداء . وفرار الأشقياء . ففرار السعداء : الفرار إلى اللّه عزّ وجلّ . وفرار الأشقياء : الفرار منه لا إليه . وأما الفرار منه إليه : ففرار أوليائه . قال ابن عباس في قوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذّاريات : 50 ] فروا منه إليه ، واعملوا بطاعته . وقال سهل بن عبد اللّه : فروا مما سوى اللّه إلى اللّه . وقال آخرون : اهربوا من عذاب اللّه إلى ثوابه بالإيمان والطاعة . وقال صاحب المنازل : « هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل . وهو على ثلاث درجات : فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا . ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما . ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء » . يريد بما لم يكن « الخلق » وبما لم يزل « الحق » . وقوله « فرار العامة : من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا » . « الجهل » نوعان : عدم العلم بالحق النافع ، وعدم العمل بموجبه ومقتضاه . فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة . قال موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] لما قال له قومه أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [ البقرة : 67 ] أي من المستهزئين . وقال يوسف الصديق : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي